حسن الأمين
114
مستدركات أعيان الشيعة
سعادة بن حيان من جهة والحسن بن عمار من جهة أخرى . ولم يغفل شان الجند ، فشحذ هممهم ، وحباهم بالطاقة ، واحتفل بلقائهم أكثر من مرة ، قبل توجههم إلى مصر ، أما قائد الحملة ، جوهر الصقلي ، فقد بالغ في إضفاء الأهمية على شخصه ، وعلى عظمة دوره في مصر ، كي يخلص الجند في طاعته ، ويترفق به زعماء كتامة ، وقادتها ، وكان أظهرهم شخصية هو جعفر بن فلاح الذي رافقه أبناؤه وبقية المشاركين في الحملة . ويبدو أن قول المعز لدين الله أمام جند كتامة « والله لو خرج هذا وحده لفتح مصر ، وليدخلن بالإرادة من غير حرب ، ولينزلن في خرابات ابن طولون ، ويبني مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا » ( 1 ) يتجاوز المبالغة في المدح ، وتهدئة ثائرة قادة كتامة الذين طمحت أنفسهم إلى القيادة إلى بيان ملامح الخطة السياسية التي سيسير عليها جوهر بعد الفتح ، وتضمنت أمرا ، لبناء دار الهجرة الجديدة أو عاصمة الخلافة الفاطمية التي اقترح اسمها الجديد ، وحدد مكانها نسبيا وهذا مما يبعد الروايات الأسطورية عن سبب التسمية والقول بان المعز لدين الله كره موقع مدينة القاهرة عندما حضر إلى مصر ، كما لم يقر التسمية التي اختارها قائدة مجاملة له باحياء ذكرى المنصور . ( 2 ) وفي القول دليل واضح على مدى معرفة المعز لدين الله لأوضاع الجبهة المصرية ، فضلا عن كونه كان يريد تهوين المشروع على رجاله ، وتطمين أنفسهم من الأخطار الداخلية والخارجية . وقد كان تصور المعز لدين الله صحيحا ، وفي محله ، إذ أن الحملة الكبرى ، لم تصادف أية صعوبة في نفاذها من برقة إلى مصر ، بسبب هدوء الوضع ، ونجاعة حامية برقة التي كان رجالها أعرف بالحرب وبالمسالك في أطراف مصر وفي دواخلها من غيرهم . وكانت الرحلة إلى مصر أشبه بنزهة عسكرية طويلة الأمد ، تخللتها الإقامة المتقطعة على طول الطريق . وأمام مدينة الإسكندرية التي تكرر سقوطها في أيدي رجال الحملات السابقة دون مقاومة ارتاح السكان لظهور الحملة وفتحوا أبواب المدينة للجند ولم تبدر منهم أية بادرة مقاومة ، ولقد كان جوهر بعيد النظر عندما سيطر على الوضع ، ومنع الجند الكتاميين الميالين إلى السلب والنهب من مد أيديهم إلى أرزاق الناس أو الاحتكاك بهم . ( 3 ) أما صدى وصول الحملة إلى الإسكندرية بين سكان الفسطاط فقد عبر عنه تحرك الوزير ابن الفرات ، بسرعة لمواجهتها ، بالطرق السلمية وكان هذا أيضا رأي من استشارهم من زعماء المجتمع في مصر الذين كلفوه بالاتصال بقائد الحملة للحصول على الأمان العام ، فأناب عنه وفدا تزعمه الشريف أبو جعفر مسلم العلوي ، وانضم إليه بعض كبار الدعاة الفاطميين ومنهم أبو جعفر أحمد بن نصر . وبعد أن تلقى الوفد التفويض من سائر طبقات المجتمع بحيث لم يتأخر عن تشييعهم قائد ، ولا كاتب ، ولا عالم ، ولا شاهد ، ولا تاجر ( 4 ) عرضوا على القائد جوهر في قرية تروجة رغبات السكان وما يشترطونه نظير إعلان الولاء والطاعة للخليفة الفاطمي ، فاستجاب لجميع ما اقترح عليه وكتب نص الأمان العام ، ( 5 ) باسم أمير المؤمنين المعز لدين الله ، وأشهد على نفسه جميع الحاضرين ، وفي الأمان تأكيد لما طلبه السكان ، مع توضيح بعض أهداف الحملة الفاطمية ، ومنها الدفاع عن دار الإسلام التي نال منها الروم والمغامرين بسبب استخذاء العباسيين وضعفهم . وعند ما عرف زعماء الكافورية ، والإخشيدية ما تضمنه عهد الأمان ، ولم يكن فيه ما يرضي جشعهم إلى الأموال وإلى الاقطاعات ، ( 6 ) عارضوه ، وردوا على الشريف ، ردا جافا ، خفف من وطأته ابن الفرات الذي ذكرهم بأنهم هم سبب التفاوض لطلب الأمان ، وتلطف مع الشريف ، وناجاه ، بينما مال المعارضون إلى الصخب والضجيج وتمسكوا بشعار واحد ، هو « ما بيننا وبين جوهر إلا السيف » . ( 7 ) وانصرفوا عن الوزير ، وعن أبي الفوارس أحمد بن علي ، وبدؤوا بزعامة تحرير شويزان يهيئون لمقاومة حملة جوهر ، ( 8 ) نفسه 1 ، 109 أس 1 - 3 . الذي تصرف بحكمة عندما عرف هذه التطورات ، فطلب إرجاع نسخة الأمان والتمس من القاضي أبي الطاهر الذهلي ، رأيه في مشروعية قتالهم فأفتاه بحلية قتال من يمنع المسلمين من الدفاع عن حدود أرضهم ضد الروم ، وعندئذ اقتنع جوهر بتأييد وجوه المجتمع لمبدإ الولاء للخلافة الفاطمية . وبدأ يعد لتاديب هؤلاء القوم الذين أضلهم الغرور وأعماهم التعصب ورفعوا راية الثورة وضللوا جانبا من السكان ، وذلك من مركزه الحصين في منية شلقان - شرقي القناطر الخيرية - التي أراد منها العبور إلى الفسطاط ، وفيها تحفظ على كل المراكب التي وصلت من دمياط والوجه البحري ، وجزيرة تنيس ووجهتها الفسطاط ، وكلف مساعده في قيادة الحملة ، جعفر بن فلاح بالعبور إلى الجانب الآخر من النيل ، بقوله : « لهذا اليوم أرادك المعز لدين الله » ( 8 ) وذلك للقاء القوة المعادية وبعد أن تمكن جعفر مع جمع من رجال كتامة المغامرين من عبور النيل سباحة وهم عراة ليس عليهم الا « سراويل » ( 9 )
--> ( 1 ) لمعة ( لمجهول ) ورقة 3 - 4 ، ابن ظهيرة : الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة ورقة 73 - 74 ص 41 - 42 ط 1969 . ويلاحظ أن المعز لم يخرج بنفسه لفتح مصر خوفا من آثار هزيمته على وضعه في بلاد المغرب « وخاف أن يغزو بنفسه ويخيب سعيه فيفوته المغرب ولا تحصل له مصر » . ( 2 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 111 - 113 ، الخطط 1 ، 361 ، أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 4 ، 41 - 42 . لمعة ( لمجهول ) ورقة 4 . ابن ظهيرة : المصدر السابق ورقة 75 ، عبد الرحمن زكي : القاهرة تاريخها وآثارها 10 - 11 . ( 3 ) يحيى بن سعيد الأنطاكي : المصدر السابق 818 وما بعدها . ( 4 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا ، 1 ، 102 ، 103 . ( 5 ) نفسه ، 1 ، 103 - 107 ، بيبرس الدودار : زبدة الفكرة 6 ، ورقة 201 - 202 ابن مسكويه : تجارب الأمم 6 ، 257 ، ابن حماد : أخبار ملوك بني عبيد 41 - 44 . النويري : نهاية الإرب 26 ورقة 38 وما بعدها . ( 6 ) بيبرس الدوادار : المصدر السابق 6 ، ورقة 200 - 201 ويلاحظ هنا أن نحرير اشترط ألا يجتمع بجوهر ، وتكون الأشمونين إقطاعا خاصا به ، ويقلد مكة والمدينة وأعمالها ويقيم هناك . ( 7 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 108 س 23 ، وانظر بيبرس الدوادار : المصدر السابق 6 ، 200 - عن بعض أعداء المذهب الفاطمي الذي حث الناس على الفتك بابن الفرات ، وشنع على جوهر الصقلي وخاطب الناس بقوله « أيها الناس قد أظلكم من أخرب فاسا ، وسبي أهلها ، فألقوا هذا الرجل المغرور » ابن الفرات فإنه شرع في إتلاف بلدكم وسفك دمائكم بمراسلة هذا الرجل « . ( 8 ) أبو المحاسن : المصدر السابق 4 ، 31 . ( 9 ) لمعة ( لمجهول ) ورقة 3 - 4 ، ابن ظهيرة : الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة ورقة 73 - 74 ص 41 - 42 ط 1969 . ويلاحظ أن المعز لم يخرج بنفسه لفتح مصر خوفا من آثار هزيمته على وضعه في بلاد المغرب « وخاف أن يغزو بنفسه ويخيب سعيه فيفوته المغرب ولا تحصل له مصر » .